فخر الدين الرازي
264
المطالب العالية من العلم الإلهي
وأما السؤال الثالث : وهو النقض بالصور المذكورة . فالجواب عنه : إن هذه الصورة بأسرها أمور ، إضافية نسبية . والإضافات والنسب يمتنع أن تكون موجودة في الأعيان ، وإلا لزمت التسلسلات ، والتزام التسلسل : محال في العقول . والدليل عليه : أن المعقول من التسلسل : التزام القول بوجود أمور متتالية متلاصقة مادة إلى غير النهاية . ومعلوم : أن هذا المعنى لا يحصل إلا عند الاعتراف بوجود أشياء متلاصقة متواصلة ، لا يتخللها شيء آخر . إلا أنا نقول : القول بكون الإضافات موجودات في الأعيان ، يبطل ذلك . ولنذكر تقرير هذا الكلام في مثال واحد فنقول : لو كانت المؤثرية صفة زائدة على ذات المؤثر وعلى ذات الأثر ، فهل هاهنا شيء يؤثر في شيء آخر ، أم لا ؟ فإن كان الأول : لا يكون بين المؤثر وبين أثره ، المتصل به : واسطة . إلا أن هذا مع القول بكون الإضافات أمورا موجودة [ في الأعيان « 1 » ] محال . لأن كون ذلك المؤثر مؤثرا في أثره : متوسط بينهما . فحيث صدق أنه ليس بينهما متوسط [ صدق أنه حصل بينهما متوسط « 2 » ] وهذا محال . وإن كان الثاني : وهو أنه ليس هاهنا شيء يؤثر في شيء : كان هذا نفيا للتأثير [ والمؤثر « 3 » ] وذلك باطل . وكذا القول في موصوفية الذات بالصفة . فيثبت بما ذكرنا : أنه لو كانت الإضافات موجودة في الأعيان لزم القول بالتسلسل ، وثبت : أن ذلك محال ، فوجب القطع بأن الإضافات لا وجود لها في الأعيان البتة . ولما كان جميع النقوض التي أوردتموها من باب الإضافات ، ثبت أن شيئا منها غير موجود في الأعيان ، لا بمجموعها ولا بآحادها ، بخلاف الحوادث الماضية ، فإنه وإن لم توجد جملتها على سبيل الاجتماع ، إلا أنه وجدت جملتها على سبيل التعاقب [ والتوالي « 4 » ] فظهر الفرق . فهذا غاية ما يحضرنا في تقرير هذه الحجة ، بعد الأفكار المتوالية فيها ، في مدة أربعين سنة . واللّه ولي التوفيق .
--> ( 1 ) من ( ت ، ط ) ( 2 ) من ( ط ) ( 3 ) من ( ط ، س ) ( 4 ) من ( ط )